ذكرى نصف قرن إلا عامين على حريق سينما عامودا التي استشهد فيها جيل من فلذات أكباد المدينة حرقاً ...؟ جميل أن يموت الإنسان من أجل وطنه ، ولكن الأجمل أن يحيا من أجل هذا الوطن. ولهذا:
كل عام أنا ومدينتي بألف خير.. ؟
أيتها المدينة المزنرة بالغبار , المزينة بكوفية وعقال السبعينيات و التائهة بين الفيافي والقفار, والمغتربون الغاربون الغابرون القابعون في مرافئ الانتظار...
أعشق مدينتي ..
المدينة التي قصفت بيوتها على رأس سكانها بالطائرات وأحرقت عدة مرات, وضحت بمئات الشهداء, مازال اسمها يرفرف ويحلق في قلوب محبيها وعشاقها...
يا مدينة الحروف والكلمات والمزارات والشهداء , واللبن الصافي والعصافير التي أدمنت عشق القهر, إنها الوجه المجدور بعشرات الحفر , الأرصفة الضيقة والدروب التي يعربد فيها الغبار , وآلاف مؤلفة من الدراجات النارية وعشرات الحوادث العبثية..
وماذا بعد يا مدينتي ..؟
الليل دوما يخيم على مدينتي, أعتبره زائرا وديعا يحمل بين جناحيه غموضاً لا ينتهي..
في الليل أشعر بأشياء تدور من حولي , أعترف بأنني لا أفهم بعضها , تثير في نفسي فضولاً ولكن نظرة عاتبة من مدينتي تجعلني أدس عيني في أوراقي وأكتب عن مدينتي المنسية والمهملة من قبل اكثر كتابها ومغتربيها .
مدينتي عالم غريب , في النهار تلمح وجوه قاطنيها.. تستغرب نظرات" التشاؤم" المرسومة على جباههم السمراء , تشق طريقها عبر الطرق الوعرة , ترسم حلما جميلاً . أكياس القمامة السوداء تتطاير أسرابا وقد حلت محل أسراب النحل التي لم نعد نراها في سماء مدينتي بعد أن هاجرت الفراشات الملونة ،و القازيمازي:
(فَلا الأُفْقُ يَحْضُنُ مَيْتَ الطُّيُورِ وَلا النَّحْلُ يَلْثِمُ مَيْتَ الزَّهَــر).
والغيم الخلبي استوطن في مدينتي... والحرارة لا تنخفض بسبب قطع الأشجار واغتيال الأقمار..
دعك من الأحلام ...لا تظن مدينتنا جنة تعبق برائحة النرجس والعندكو:
(وَتَبْقَى البُـذُورُ التي حُمِّلَـتْ ذَخِيـرَةَ عُمْرٍ جَمِـيلٍ غَـبَر)
كان هذا... أيام زمان وعقارب الزمن لا ترجع إلى الوراء, أما اليوم فتعبق بالغدر والخيانة وروائح قذرة تغرق مدينتي الصغيرة بحجمها والكبيرة بقلبها بعازفي الليل والمتملقين من بعض أبناء ترابها وحليبها ومائها العذب ...
النهارات كلها في مدينتي واضحة وضوح الفقر والقاذورات.. .
كم من الليالي توسلت إلى النوم أن يأتيني, ولكن مدينتي الصغيرة سلبتني هدوئي ..
الليل يثير فيك إحساساَ من الخوف الغامض.. فترتعش شفتاك ليس برداَ, إنما خوفاَ من أشياء مجهولة تجهلها وتثير اشمئزازك...
معظم الأشياء في مدينتي تجعلك تتقيأ ألما , وتفور أباليس الغضب في داخل جمجمتك ..
إنها آهات من الألم والعذاب والمقت , سوف تعصر أنفاسك بعاداتها العثمانية, وستجعل التعاسة تسكن مقلتيك وربما تتمنى الفرار أوالغرق في البحر, الإرشادات والنصائح من حراس الأزقة ونقاد الأدب , بدلا من العيش وسط أشواكها التي تدمي قلبك وتذر الأسى في عينيك ، والحزن العميق على ما أصاب مدينتي العريقة :
( إذَا مَا طَمَحْـتُ إلِـى غَـايَةٍ رَكِبْتُ الْمُنَى وَنَسِيتُ الحَذَر )
عند الغروب تتسارع الأجساد المتعبة بالرحيل إلى أكواخها, تكاد تطوي الأرض طياً. العيون الغائرة تخشى الليل, تراه زائرا غير مرغوب فيه...
كلها تختفي وراء الأبواب والنوافذ, تغلق مصراعيها التي كانت مشرعة بالنهار...
ثمة أمور كثيرة أجهلها:
(كَذلِكَ قَالَـتْ لِـيَ الكَائِنَاتُ وَحَدّثَنـي رُوحُـهَا المُسْتَتِر )
الصمت يكسو طرقات مدينتي العظيمة، غبار الوجوه يدخل أنفي فيخنق أنفاسي, حاولت البحث عن سر ذلك الإهمال الذي يتربع في مملكتها... فلم أهتد...
كفى ضعفا وتواكلا يا هذا , تكفيك الأيام والسنوات التي قضيتها بين أسطر الكتب وحكايات الماضي وشاشات التلفزة والهواتف النقالة ومغازلة العوانس بلا جدوى .
وانطلق كي تكون رجلا, الرجولة..! كم تضحكني هذه الكلمة....أكاد لا أجد سوى الإشفاق على هذه الكلمة ومن يدعيها... .مدينتي ورغم بؤسها مازلت أحبها... لا أفكر أن أهجرها... لقد تحول كل بيت من بيوتها إلى حكاية عن الفقر والحرمان, والأطفال يبعثرون القمامة بحثا عن ريش الدجاج ليصنعوا منها وسادة لجداتهم.. مدينتي الشمطاء خسرت مجدها الاجتماعي.. ونصف سكانها انتشروا في الجهات الست... الحياة ما زالت تدب في المدينة لكن مجدها وسنابلها الذهبية ضاعت.. غادرتها ثروتها الأدبية والثقافية , لكن روحها باقية بجانب شرمولا.
لا أحد يتساءل:
كيف يمكن إنقاذها؟, أسطورتها أقوى من تاريخها , امتيازها أنها لم تفقد كل روحها على الرغم من التقلبات الجوية والموسمية ، ما زالت شامخة رغم شيخوختها المبكرة .
سطروها بدون مهارة فميعوا ما تبقى لها من صلابة عراقتها
قوة غريبة تدفعني إلى الخروج من كوخي, أتجاهل تحذيرات عقلي الباطن.
آه... جدتي المسكينة كانت تسرد لنا حكايات عن الجان والعفاريت و بردويلي داري, قصص غريبة قد تثير في نفسك أحيانا الخوف وأحيانا أخرى الفضول , بينها قصة تكومت داخل نفسي المتقهقرة فأحاطتها بسياجي ,بطل أسطوري يحارب الشر بسيفه ، أحاول تقمص شخصية هذا البطل المزعوم ، متخيلا كل نساء مدينتي الصغيرة أثناء عودتي من صراعي مع المارد الضخم الذي ينخر المدينة ، تغمرني الهتافات والقبلات والورود.
جسمي يرتجف وعيناي تلتهمان الطريق الذي أمامي , البيوت متهالكة.. والأتربة على الأرصفة تجاوب صمتي , لهاثي يزداد وأنفاسي ، دقات قلبي خائفة , لعنتُ اللحظة التي فكرت فيها بكشف سر مدينتي- أفكاري اللعينة - وأي سر ؟ كم كرهت هذه اللحظة ،. فراحت دموع الأسى تنساب من مقلتي رغما عني , والظلال تحيط بي , ثم سقطت في إحدى الحفريات وارتطم راسي بحجر ضخم:
(وفي لَيْلَةٍ مِنْ لَيَالِي الخَرِيفِ مُثَقَّلَـةٍ بِالأََسَـى وَالضَّجَـر)
فأظلمت الدنيا من حولي, حاولت استرجاع ذاكرتي وما حدث لي... هاجس ناداني دون أن أرى شيئاً من حولي... كانت غيمة بيضاء في ظلال سماء مدينتي تناديني : ..أين الشعراء.. أين الكتاب المبدعون.. أين أصحاب النخوة..؟ يا أبنائي احفظوا الأمانة من بعدي.. افتخروا بأمجادكم اعتنوا بأبنائكم... بعيدا عن هذا الغبار واللهاث وراء السراب .. .
النيران تتأجج ، تتراقص , تحاول التهام نفسي بشهية , شريط طويل يرتاد ذاكرتي , أقربائي , أصدقائي , أهل مدينتي التعساء , والغموض الذي يحيط بها والظلال ,استيقظت ويدي تتحسس كل قطعة في جسدي ، خلت نفسي وقد قتلني الإهمال والاتكال .
وقفزت الذروة في أعماقيٍ إلى حد مخيف جعلني ألوذ بصمت غريب لم أعهده في نفسي, كل تلك الظلال بملامحها.. بنظراتها الصارمة، عرفتها في شبابي وشربت من أفكارها ونهلت من ربوعها..
كل الطرق مفتوحة أمامي للعودة إلى الوراء, لم أشعر بأي ألم أفهمه من قبل .
عدت إلى كوخي وإلى قوقعتي, تسابقني إليها عواصف جبني, صرخت بقوة، يدي تمزق أوراقاً كثيرة رسمتها دهراً بألوان التفاؤل, وطرزت منها أجمل الحكايات حتى ألقيها في طرقات مدينتي الصغيرة . مزقتها كلها, أحرقتها, رميتها من نافذة خلف الزمن.
كل الأيادي تحملني في جنازة مهيبة, والظلال من حولي, تنوح علي بأصوات تصم الآذان.
صراخ يوقظني فأفتح عيني بصعوبة, أحاول أن أزعق بصوتي الحاد لكن.. لا صوت لصوتي..
لا أستطيع أن أتمالك نفسي , وأنهض لأتعلق بحافة النافذة , هناك عند شجرة التوت الكبيرة , وقف نفس الوجه الذي تحدث معي طويلا ليلة البارحة , يصرخ في الأهالي , يرفع مجد مدينتي قبل أن يأتيها الغبار,مجداً لطالما قرأت عنه في كتب التاريخ والثورات الغابرة وشوارع أمسها المزدانة بالياسمين يفوح من عبق ترابها , وجه يهتف بعبارات أولها ....الحرية ... وآخرها عبارة تحمل بين طياتها رائحة الشهادة أو الغرق في مستنقعاتها الجافة..
تعاودت الصرخات , النيران تشتعل كما رأيتها في أحلامي , تحرق الصمت الجاثم في أرجاء المدينة ، فتحدق في كل الوجوه الشاخصة من بين شقوق النوافذ و ستائر النسيان , فلا تجد سوى الأسى وربما تهز رأسك يمنة ويسرة وتشحذ قلمك لتكتب قصيدة ترثي بها المدينة التي أنجبت الشعراء والعلماء والمسرحيين والفنانين... و المجانين الذين لم تتحمل عقولهم الغبار فراحت تغتسل في كولا عنتر" gola enter" فتعمدوا بماء الجنون..
الظلال تزورني كل ليلة , ترسم بخيوطها على جدران مدينتي ، كل معاني الحنق والضيق , وعاد الظلام إلينا , يعانق بقايا الحلم تحت تراب مدينتي الصغيرة التي تنسج رمادها بستانا لغد بلا كواليس أو كوابيس:
(إذا الشّعْبُ يَوْمَاً أرَادَ الْحَيَـاةَ فَلا بُدَّ أنْ يَسْتَجِيبَ القَـدَر)
( وَلا بُـدَّ لِلَّيـْلِ أنْ يَنْجَلِــي وَلا بُدَّ للقَيْدِ أَنْ يَـنْكَسِـر)
( وَمَنْ لَمْ يُعَانِقْهُ شَوْقُ الْحَيَـاةِ تَبَخَّـرَ في جَوِّهَـا وَانْدَثَـر)
( إِذَا طَمَحَتْ لِلْحَيَاةِ النُّفُوسُ فَلا بُدَّ أَنْ يَسْتَجِيبَ الْقَـدَرْ )
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ملاحظة: الأبيات من قصيدة" إرادة الحياة " للزميل أبو القاسم الشابي
داريوس داري
Mister Wong
Digg
Del.icio.us
Slashdot
Furl
Yahoo
Technorati
Newsvine
Googlize this
Blinklist
Facebook
Wikio

