اميمه عادل ديب
سألت نفسها وهي تنتظر أن يرن هاتفها الجوال، أو هاتف البيت الأرضي ...
إلى متى..؟
تغادر سريرها البارد، تغسل وجهها، تتأمل صورتها في المرآة، تفتح الشرفة وتنظر إلى المدى الواسع ، تنتظر ..إلى متى ...؟ في كل يوم تكتب هذا التساؤل حتى امتلأت أوراقها برجفات السؤال العقيم ..
تجبر شهيتها الغائبة على تناول لقيمات ، تبللها برشفات من كأس شاي ساخن ، تفتح الستائر ، كأنها تفسح طريقاً ليدخل الصباح البهيّ إلى غرفتها المرتبة بلمسات أنثى، مازالت تعيش صبوة الأمل ...
تتنفس بعمق : يوم جديد .!!
تتشابك الأيام لتبدو كأنها نسيج واحد، كلها تبدأ على وتيرة واحدة ، هكذا في كل صباح ، وكلما أتى المساء يراكم خيبة جديدة ، تدفنها برشاقة على أمل أن يكون الغد أفضل ..
تتهيأ للخروج ، وتمطر جيدها وأطراف قميصها بزخات من عطر هادئ. تعانق خطاها الطريق ذاته، وذات الهاجس لم يفارقها: انتظار رسالة تأتيها من فضاء ما تسكن روعها . شيء من الضوء تسرب إلى ظلمة هواجسها، فاليوم ستلتقيه، السيد "لَنْ"، كم قرأت له وسمعت عنه، فالسيد "لن" قمة النبل والصدق، رجل يكتب بروحه. كانت تقرأ له كل ما يكتب، مقالاته تعبر عن القيم المثلى، عجنته الحياة، وأتخمته بالخبرات، هو دائماً يتحدث عن أشباه الرجال، وأن العالم المحشو بأمثال هؤلاء ضيّع الأخلاق .....
سأطمئن لو أسمع انطباعاته بما أكتب ، ناجت نفسها في غبطة، لا شك أن رأيه سيكون الفيصل في تقويم محاولاتي الأدبية..كانت تتبسم كأن السيد "لن" ينشر أجمل ما تكتب..
طرقت باب مكتبه
_ أهلاً بك.!
رجل تجاوز الستين من سنوات عمره ، يقف وراء مكتبه الوثير ، يمد يده ليصافحها، كانت منبهرة جدا، صافحته باحترام، ووضعت أوراقها أمامه، تسللت أنامله بشيء غامض، ارتجفت فيما يشبه الذعر وسحبت يدها، نفث دخان سيجاره الفاخر ...وبلا مقدمات قال:تشبهين لون الكمأة، سمرتك كسمرتها ، رائعة ومتفردة ... فارتدت خطوة إلى الوراء . ضحك بنشوة وهو يقول: لا أعرف هل هو عيب أم تميز شعوري بالضعف أمام جمال الأنثى ...
لم تستوعب الموقف، فأردف: ما رأيك بكأس ..؟
_ نعم في هذا الحر الشديد لابد من كأس ماء.
_ ذكاؤك حاد سيؤذيك ذات يوم . اقترب منها، ومن خلف ملامحه الرصينة تسلل ضبع جائع: أنا رجل محترم جدا، لكني أتحول إلى صبي عاشق أمام هكذا أيقونة.
ارتبكت ، لكنها تماسكت وقالت بسخرية :
_ أقرأ كتاباتك عن ...قاطعها قائلا:
_ نحن في النهاية بشر ، من الطبيعي أن تمر بنا لحظات ننتشي أمام جمال ساحر بالرغبة ، إنه غزو وحشي يجتاحنا ، ورغبة طبيعية جداً.
مد يده محاولاً لمس شعرها، فانتفضت كلبؤة جريحة، أحست بالاختناق، وانقلب الهاجس إلى كابوس، كل الكلمات الرائعة التي كانت تنتشي لها تحولت إلى غربان تبحث عن جسد طري تدفنه في تراب الرغبات المظلمة.
سارعت للوصول إلى باب مكتبه، وقبل أن تغيب وراءه ، جاءها صوته مقنعا بحدة تعتصرها الخيبة :
خذي أوراقك معك...لا تصلح للنشر .!
Mister Wong
Digg
Del.icio.us
Slashdot
Furl
Yahoo
Technorati
Newsvine
Googlize this
Blinklist
Facebook
Wikio

