
غسان جان كير
كثيرة هي الأيامُ التي تترك وقعا خاصا في نفوسنا , وقد تكونُ المناسباتُ الوطنية من ضمنها , وإنْ كان يوم الجلاء مِن أكثرها إجلالاً , فإنّ لمعركة ميسلون وقعا أكثرَ خصوصية وقرباً لقلبي بألف ألف سنة ضوئية عن عَداها مِن الأعياد المستحدثة .
وإنْ كانتْ معركة ميسلون فاشلة وفقَ المعايير العسكرية , فإنها كانتْ انتصارا مُحتما على ثقافة الذل والخنوع ( مَنْ يتجوز أمي يصيرُ عمي ) التي زرعها الاحتلالُ العثماني طوال أربعة قرون .
على قِلة معلوماتي ( معلوماتنا ) عن الشهيد يوسف العظمة, والعبرة ليستْ بالاستفاضة في المعلومات والمدائح الفجّة و مقالات المنافقين لتمجيد الأشخاص, ألا إن اللآلئ مُمجدةٌ , كونها نادرة.
فكلُّ ما أعرفه عن هذا { الرجل } , أنه كان وزيرا للدفاع في حكومة الملك فيصل , دفعه الإباء و قيمُ الرجولة - ( حينما كانت الرجولة تعني ما تعني ) - أنْ يَلُمّ ألفين أو ثلاثة أو أربعة ألاف مِن الجنود المُسرّحين بأمر من الملك ( والعبرة ليستْ بالعدد والعُدّة , وإنما بالإرادة في الصمود والتضحية ), وما أعرفه أنه كان في حِلٍ من أمره وواجباته ؛ وقد حَلَّ الملكُ الجيشَ بقبوله لشروط وإنذار ( غورو ) , ويذهبُ يوسف إلى ميسلون ويتصدى الاحتلالَ الفرنسيَّ , ليستشهدَ مع جنوده الصامدين في أرض المعركة .
إنّ تقديري الشديد لتضحيته , وإدراكه العميق لمسؤوليته , قد كانا دافعين لأنّ انضم إلى مجموعة من الشباب – دأبهم - السير على الأقدام , من دمشق إلى ميسلون , في ( 24/ 7 ) من كلّ عام , وقد اجتمعنا في حيّ المهاجرين أمام داره , التي صدر بشأنها قرارٌ بتحويلها إلى متحف منذ عام 2001 , لوقف هجمات ( الهبيشة ) التي لا ترى من البيوت الدمشقية القديمة , سوى مساحات يمكنُ أنْ تُبنى عليها الأبراج السكنية , وإن كان القرارُ مُستحسنا من جهة وقف زحف أذناب ( غورو ) على هدم كل ما يمتّ إلى الوطنية الأصيلة , ولا غرابة أن يكون هؤلاء ( الهبيشة )
أحفادا للذين جرّوا عربة ( غورو ) بدلا عن بغاله , مُتبرئين من يوسف , ودمه لما يجفّ بعدُ , بل ومستهزئين به ( الله يسامحو , بس لو ما كان يبّس راسو , كان المسيو غورو عطاه شي فيلا أو فيلتين في اليعفور , و ما كان ترك بنتو الوحيدة ليلى تتمرمط ما بين الشام واسطنبول ) , فشكرا للقرار ومَن أصدره , مع تساؤل بريء ( هل تحويل بيت صغير إلى مُتحف يحتاج إلى ثمان سنوات دون أن يُنجز , مع أن صروحا تُكتمل في أقل من هذه المُدة ) ؟!
وبالعودة إلى المسير , فقد انطلقنا من أمام منزله , في حدود الرابعة فجرا , وكوننا لسنا من المزايدين على الشعارات , فقد تشاركنا جميعا ( حوالي مئة شخص ) , بحمل لافتة على طول الشارع , وليس عرضه الذي يحتملُ فقط الشعارات الفجة , مِن قبيل ( فلتسقط الامبريالية وعملاؤها ) وهل تسقط الامبريالية بالأماني ؟.
كانت اللافتة بطول عشرين مترا تقريبا , مكتوبٌ عليها ( مسيرة الشباب الوطني إلى ضريح يوسف العظمة , على دروب يوسف سائرون ) , والجملة الأخيرة لم تكن شعارا من تلك التي يفضحها التملقُ , بل كانتْ تعني أننا سنسلكُ الشوارعَ والطرق التي سار فيها يوسف العظمة مع المتطوعين من جيشه .
سلكنا طريق جبل قاسيون , ومررنا بنصب الجنديّ المجهول , و رأينا دمشق الحالمة على يسارنا , الفاسد فيها يحلمُ بتمرير صفقته الفاسدة , والبسطاء يحلمون باليسر بعد العسر , لننزل إلى طريق الربوة بمحاذاة نهر بردى الذي لم يبقَ منه إلا اسمُه , مررنا بالكازينوهات التي هدّها الضجيج , وعمالها الذين يغسلونها من القيء الذي لفظته كروش ( مُحدثي النعمة ) الذين لا يعرفون أنْ يتركوا فتاتا على الطاولة , أو على هامش الحياة , رأينا الفنانات الاستعراضيات يُلوّحن بأيديهن لنا يأخذهن الباصُّ إلى بيوتهن , وقد هدّهن التعبُ من طلبات لا تنتهي...., رأينا العصافيرَ تستيقظ في أعشاشها, لتبدأ في التغريد قبل أنْ يكتم الصخبُ أصواتها, تُرى أفيها أيضا مَن يُعسّر عليها العيش ؟. رأينا في وضوح الصباح الفلاحَ يسقي أرضه , ويسأل الله أنْ يحميَه من جشع سماسرة سوق الهال , مرّ بنا الجنودُ والضباط في سيارات ( الزيل ) كان بعضهم يأخذ لنا ( تعظيم سلام ) , بل لقد رأينا عيونَ بعضهم مغرورقة بالدموع .
لم تكنْ مسافة ( 30 كم ) سيرا على الأقدام بالأمر اليسير , خاصة في تلك التضاريس الجبلية , ترتفعُ بنا المرتفعاتُ , وتنخفضُ بنا المنخفضاتُ ( بل ترتفعُ بنا المنخفضاتُ , وتنخفضُ بنا المرتفعات ) , كانت لينا تدفعني في الطلوع , وكان نور و فائق يسندانني في النزول , ما عدتُ أعرفُ الاتجاهات , وحتى الزمن ما كان يسير باتجاهه المعهود تراه حيناً عصراً ليتقدم رجوعا إلى الصبح , ولا يقودنا سوى الدرب الذي سلكه يوسف مع أصدقائه المتطوعين مع كامل عدتهم تنتظرهم معركة غيرُ متكافئة .
رويدا ...رويدا تنتهي الأحاديثُ الجدّية , لتبدأ الثرثرة التي ليس بمستطاعها مجاراة هذه المسافة الطويلة , لم تحظ سيارة الإسعاف المرافقة , بحمل أحدنا , ذلك أننا كنا في تحدٍ مع الألم , وليس لكونها فقط سيارة شاحنة صغيرة ( سوزوكي ) تحملُ الماءَ عنّا , ولأن الثرثرة انتهتْ , فقد بدأ التأمّلُ والتساؤل .
ترى ما مصير ابنته ليلى وقد كانت آخر وصيته ؟؟ .
ما السببُ في تقصيرنا بتسمية المدارس والساحات والجامعات .... باسم أول وزير دفاع يستشهد في ساحة المعركة ؟.
ما السرُّ في عدم تمثيل قصته مسلسلا على عشرة أجزاء, بدلا من مسلسلات تستجدي معاني التضحية من قصص خرافية ؟ .
مَن الذي يحظى بحضور أكثر, بطل مسلسل باب الحارة أم صديقنا يوسف ؟.
ما الجامع بين صديقنا يوسف و يوسف النبي ؟.
لماذا تُرافقنا سيارة ال ( بيجو ) ؟.
كيف لا تلفظ الأرضُ عظامَ مَنْ قطعَ أسلاكَ القنابل المُضادة للدبابات ؟.
كان وصولنا إلى الضريح, ورؤيتنا لباقات الورد الرسمية, وقد وصلتْ قبلنا دون أنْ تمر بنا, دافعاً لتساؤل آخر: هل هناك دروبٌ أُخرى للوصول إلى ضريح يوسف العظمة ؟
هذا البريد الإلكتروني محمي من المتطفلين و برامج التطفل، تحتاج إلى تفعيل جافا سكريبت لتتمكن من مشاهدته
Mister Wong
Digg
Del.icio.us
Slashdot
Furl
Yahoo
Technorati
Newsvine
Googlize this
Blinklist
Facebook
Wikio

